عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
188
اللباب في علوم الكتاب
وثانيها : أن مدار الرّسالة والتبليغ عن اللّه على الأمانة ، فوصف نفسه بالأمانة تقريرا للرّسالة والنبوة . وثالثها : كأنّه قال لهم : كنت قبل هذه الدعوى أمينا فيكم ، وما وجدتم منّي غدرا ولا مكرا ولا كذبا ، واعترفتم لي بكوني أمينا ، فكيف نسبتموني الآن إلى الكذب ؟ . والأمين هو الثقة ، وهو فعيل من أمن يأمن فهو آمن وأمين بمعنى واحد . واعلم أنّ القوم لمّا قالوا له : « إنّا لنراك في سفاهة » لم يقابل سفاهتهم بالسّفاهة ، بل قابلها بالحلم ، ولم يزد على قوله : « ليس بي سفاهة » ، وذلك يدلّ على أنّ ترك الانتقام أولى كما قال : وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً [ الفرقان : 72 ] . وقوله : وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ مدح نفسه بأعظم صفات المدح ، وإنّما فعل ذلك ؛ لأنّه كان يجب عليه إعلام القوم بذلك ، وذلك يدلّ على أنّ مدح الإنسان لنفسه في موضع الضّرورة جائز . السادس : قال نوح عليه السلام : « أو عجبتم أن جاءكم ذكر من رّبّكم » إلى قوله : وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ، [ وفي قصّة هود حذف قوله : وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ] « 1 » ، والفرق أنّه لمّا ظهر في قصّة نوح - عليه السلام - أنّ فائدة الإنذار هي حصول التقوى الموجبة للرحمة ، لم يكن لإعادته في هذه القصّة حاجة « 2 » . قوله : « إذ جعلكم » في « إذ » وجهان : أحدهما : أنّه ظرف منصوب بما تضمنته الآلاء من معنى الفعل ، كأنه قيل : « واذكروا نعم اللّه عليكم في هذا الوقت » ، ومفعول « اذكروا » محذوف لدلالة قوله بعد ذلك : « فاذكروا آلاء اللّه » ، ولأن قوله : « إذ جعلكم خلفاء » ، وزادكم كذا هو نفس الآلاء وهذا ظاهر قول الحوفي . قال الزّمخشريّ « 3 » : « إذ » مفعول « اذكروا » أي : اذكروا هذا الوقت المشتمل على هذه النعم الجسيمة ، وتقدّم الكلام في الخلفاء والخلائف والخليف . قوله : « في الخلق » يحتمل أن يراد به المصدر بمعنى في امتداد قامتكم وحسن صوركم ، وعظم أجسامكم ، ويحتمل أن يراد به معنى المفعول به ، أي : في المخلوقين بمعنى زادكم في النّاس مثلكم بسطة عليهم ، فإنّه لم يكن في زمانهم مثلهم في عظم الأجرام . قال الكلبيّ والسّدّيّ : « كانت قامة الطّويل منهم مائة ذراع ، وقامة القصير ستّون ذراعا » « 4 » . وتقدم الكلام على « بسطة » في البقرة .
--> ( 1 ) سقط من أ . ( 2 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 128 . ( 3 ) ينظر : الكشاف 2 / 117 . ( 4 ) تقدم .